الحارث المحاسبي
179
الرعاية لحقوق الله
الموت سارع إلى الخيرات . وروى عن علي أيضا ، أنه قال : إنما يهلك اثنتان : الهوى وطول الأمل ، فأما الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسى الآخرة « 1 » . وصدق رحمة اللّه عليه ، ولو أن غائبين عنك ترى أن أحدهما قادم سريعا في يومك أو ليلتك أو من غدك ؛ والآخر ترى أنه يقدم إلى شهر أو إلى حول ، لاستعددت للذي ترى أنه عليك قادم سريعا ، إن كان أوصاك بوصية بادرت إلى إنفاذها قبل أن يفجأك بقدومه ، فتلحقك ملامته أو عقوبته ، وتهيئ له مع ذلك البر واللطف ، وإن كانت إليه منك ذنوب أو إساءة أجلت الفكر وروّيت ؛ كيف تعتذر إليه لتخرج من سخطه أو من ملامته ، أو لئلا تنتقص منزلتك عنده ؟ ومما يدلك على ذلك : ما روى عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه حين تخلف عن غزوة تبوك ، أنه قال : لما قيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد أظل قافلا جعلت أتفكر وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي ، كيف أعتذر إليه لأخرج من سخطه « 2 » ؟ وكذلك من غلب على قلبه أن الموت قادم عليه سريعا ، ثم علم أن الخبر يأتيه يقينا عند الموت بهلاكه أو نجاته ، بادر إلى أن يترضى اللّه عز وجل ويعتبه بالاعتذار إليه بما يقبله ، والطهارة لقلبه وبدنه من المعاصي ليلقاه طاهرا .
--> ( 1 ) رواه عنه رجل من بني عامر ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13 / 281 ( 16342 ) ، وابن المبارك في الزهد ( 255 ) ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 76 . ( 2 ) القصة عن كعب بن مالك ، أخرجها البخاري في المغازي 8 / 113 - 116 ( 4418 ) ، ومسلم في التوبة 4 / 2120 ، 2129 ( 2769 ) .